المنجي بوسنينة

278

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

منها فأقام هناك عامين ، ثم غادرها إلى رأت وسرخس ، وانتهى إلى مرو حيث أمضى عامين بين المكتبات المشهورة في طشقند ، ومرو ، وبلخ وتعرّف على ما فيها من كتب ، فكان يحمل الكتب إلى البلاد ثم يعود حاملا منها الكتب أيضا . وكانت هذه الرحلات تدفعه إلى المزيد من الاطّلاع والبحث في موارد الثقافة الإسلامية ، ومعرفة أسماء العلماء الذين يودّون شراء كتب العلم . وفي عام 609 ه / 1212 م وأثناء واحدة من سفراته إلى حلب ، التقى برجل يدعى أبا علي القيلوي يعمل وسيطا في شراء الكتب لصالح القفطي وزير حلب آنذاك . فأدخل ياقوتا عليه يحمل ما جمعه من الكتب . ويذكر القفطي في « إنباه الرواة » عن هذا اللقاء قوله : « فلم يكن فيها سوى كتابين ابتعتهما منه ، وتأمّلته في منظره ومخبره فتوسّمت فيه أمورا لم يخب حدسي فيها وعلمت أنه لا يصلح للعشرة » . وكان أن عاد ياقوت إلى حلب بعد ذلك سنة 613 ه / 1216 م ، ومعه كتب ، فاجتمع بالقفطي وسمع منه شعره ، ثمّ توجّه إلى دمشق ، وفي بعض أسواقها قادته الأقدار إلى لقاء بغدادي يتعصّب لأحد الصحابيين ، فتناظرا ، وجرى بينهما ما دفع ياقوتا إلى ذكر الصحابي بسوء ، مما أثار عليه حفيظة أهالي دمشق فهمّوا به وكادوا يقتلونه . وبلغ خبره والي دمشق المعتمد الموصلي فطلبه فخاف وفرّ إلى حلب ناجيا بنفسه . ومن حلب رحل إلى الموصل فإربل ثم توجّه نحو خراسان بحيث لم يمر ببغداد خشية أن يلقى فيها المناظر البغدادي فيعرفه وينقل خبره فيقتل . وظلّ ياقوت على هذا النحو يتنقّل بين خراسان ، ومرو ، ونسا ، وخوارزم ، وهو يقوم بالتأليف والمطالعة والنسخ وبيع ما يستخدمه أو يبتاعه ، على أنّ أكثر إقامته كانت في مرو . ولكن في سنة 616 ه / 1219 م ، اضطرّ إلى ترك مدينة مرو ، حيث قابل مخاوف كثيرة من التتر بمعاملتهم الوحشية للعلماء والمكتبات . فيذكر في كتابه « معجم البلدان » : « وأقمت بها ثلاثة أعوام . . . ولولا ما عرا من ورود التتر إلى تلك البلاد وخرابها لما فارقتها إلى الممات ، لما في أهلها من الرفد ولين الجانب وحسن العشرة وكثرة كتب الأصول المتقنة ، فإني فارقتها وفيها عشر خزائن للوقف لم أر في الدنيا مثلها كثرة وجودة » . فصار يتنقّل من مكان إلى آخر مبتعدا عنهم . فانتقل إلى نسا ، ثم منها إلى خوارزم ، وقد وصلها أيام الشتاء القارسة ، وحاول فيها الكتابة والتأليف ولكنه لم يستطع ، فيقول في ذلك : « وقد اجتهدت أن أكتب شيئا بها ، فما كان يمكنني لجمود الدواة حتّى أقربها من النار وأذيبها . وكنت إذا وضعت الشربة على شفتي التصقت بها لجمودها على شفتي » . ولم يطل مقامه في خوارزم ، إذ هاجمها التتر ، ففرّ منها تاركا ما لديه ، واتّجه منها إلى الغرب مقاسيا في رحيله التعب والخوف ، إلى أن وصل إلى إربل سنة 617 ه . ولكن لم يطب له المقام بها ، فتركها إلى الموصل ومنها كتب رسالة إلى القفطي يروي فيها قصته وسأله الحضور بحضرته . ثم رحل إلى الموصل ، ثمّ إلى سنجار ، ومنها إلى حلب . وفي حلب رحب به الوزير القفطي ، وسمح له بالإطّلاع على الكتب قدر ما يريد . كما وجد في كنف